اتفاق أميركي إيراني يختبر حلفاء وخصوم المنطقة

اتفاق أميركي إيراني يختبر حلفاء وخصوم المنطقة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

شهدت الساحة الدولية مؤخرًا توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة مفاجئة أعادت تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. هذا الاتفاق، الذي جاء بعد أشهر من التوتر المتصاعد والتهديدات المتبادلة، يمثل نقطة تحول محورية، إذ يهدف إلى وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، مع إطلاق مفاوضات حول الملف النووي الإيراني. بينما استقبلت أسواق النفط العالمية ودول الخليج هذا التطور بارتياح حذر، تباينت ردود الأفعال بين العواصم الإقليمية والدولية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه الهدنة وتأثيراتها المستقبلية على استقرار المنطقة وموازين القوى فيها.

هدنة هرمز: تنفّس اقتصادي وتحديات سيادية

كانت الأجواء في أسواق النفط العالمية مشحونة بالترقب، حيث عكست الشاشات حالة من الاختناق جراء أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز. جاء الاتفاق الأميركي الإيراني ليقدم وعدًا بعودة التدفق الطبيعي للنفط، ما أثار ارتياحًا واسعًا في عواصم الخليج، خاصة تلك التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على هذا الممر المائي الاستراتيجي. دول مثل العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول المنطقة، لا ترغب في حرب مفتوحة قد تهدد جزءًا حيويًا من إمدادات الطاقة العالمية.

المضيق بين حرية المرور والرسوم السيادية

تضمن الاتفاق بندًا يمنح السفن التجارية مرورًا آمنًا«بلا رسوم» لمدة ستين يومًا، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية-عُمانية لإدارة الحركة البحرية. هذه النقطة تحديدًا قد تكون الأكثر إثارة للجدل، فبينما كانت القاعدة الغربية قبل الأزمة واضحة بشأن حرية المرور دون رسوم، تشير طهران الآن إلى أن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وتؤكد حقها السيادي في جباية رسوم مقابل الخدمات المقدمة.

بالنسبة لدول الخليج، تتركز الأولوية حاليًا على استعادة حركة الملاحة الطبيعية، بعيدًا عن الجدل القانوني. لكن على المدى الطويل، فإن أي نظام رسوم إيراني قد يُنظر إليه على أنه تحويل لأزمة عسكرية إلى مصدر دخل سيادي دائم، وهو ما يثير قلق عواصم غربية مثل لندن وباريس، ودوائر التفكير في واشنطن، التي ترى أن إيران قد اكتشفت قدرتها على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس فقط بإغلاق المضيق، بل بجعله ممرًا مشروطًا.

واشنطن وطهران: روايات متضاربة حول النصر

كل اتفاق مؤقت غالبًا ما يولد بروايتين متناقضتين، وهذا ما ينطبق تمامًا على مذكرة التفاهم الحالية. في واشنطن، يسعى الرئيس ترمب لتقديم الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي كبير. يؤكد ترمب أنه نجح في تأمين مضيق هرمز، وخفض أسعار الطاقة، وتجنيب العالم كسادًا نفطيًا، وأجبر إيران على التعهد بعدم امتلاك السلاح النووي. كما أشار إلى أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد»، وهي لغة انتخابية واضحة تهدف إلى طمأنة الناخبين بأن النفط يتدفق والأسواق تهدأ، وأن الرئيس لا يظهر ضعيفًا، بل يلوح بالعودة إلى القصف إذا أخلت إيران بالتزاماتها.

على النقيض تمامًا، تروي طهران القصة من منظور مختلف. فإيران، بحسب روايتها، «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت قدرتها على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمدة واستثمارات بمئات المليارات. وقد وصف محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، في إطار معركة داخلية تهدف إلى إقناع الجمهور والنخب بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بالدور الإقليمي لإيران وحقوقها السيادية في هرمز.

حقيقة ثالثة: لا غالب ولا مغلوب بعد

بين الروايتين المتضاربتين، تبرز حقيقة ثالثة مفادها أنه لا يوجد طرف قد حقق نصرًا حاسمًا بعد. لقد اشترى ترمب ستين يومًا من الهدوء، بينما اشترت إيران ستين يومًا من التنفّس الاقتصادي. النتيجة النهائية لهذا الاتفاق ستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي كيفية إدارة مضيق هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم». هذا يشير إلى أن الاتفاق ليس نهاية الصراع، بل هو بداية لمرحلة جديدة من الاختبارات والتحديات.

تحولات الوساطة الإقليمية: صعود باكستان وغياب عُمان

من التحولات اللافتة في هذا الاتفاق هو غياب الوساطة العُمانية التقليدية، التي لطالما لعبت دور الممر الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران لعقود. هذه المرة، تقدمت باكستان للعب دور الوسيط، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة. بينما عادت عُمان لتظهر من باب آخر، وهو الإدارة المستقبلية أو التقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا التغيير ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل يعكس تحولًا في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تتمتع بعلاقة مركبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التحدث بلغة «خفض التصعيد» دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي تحملت عبء الشلل البحري، فقد وجدت في هذه الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة دون انهيار شامل في أمن الطاقة.

سؤال أعمق: دبلوماسية خليجية جديدة؟

يطرح غياب عُمان عن صدارة المشهد سؤالًا أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية-إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم أن هذا مجرد ترتيب اضطراري فرضته ظروف الحرب؟ الإجابة على هذا السؤال ستتوقف على بند هرمز، فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستصبح الوساطة نفسها جزءًا من معركة السيادة البحرية، مما يعقد المشهد أكثر.

«عقدة» تل أبيب ولبنان: تحديات أمنية وسياسية

من أخطر ما في الاتفاق أنه يتحدث عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما إسرائيل و«حزب الله» ليسا طرفين موقعين عليه. هنا تكمن «العقدة»، فبينما تستطيع إيران وباكستان القول إن الهدنة تشمل لبنان، يؤكد بنيامين نتنياهو أن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وأن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، لا يمثل الاتفاق مجرد تفاهم أميركي-إيراني، بل تهديدًا سياسيًا داخليًا. فقد وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الذي كان يُفترض أن يكون الحليف الأكثر «تفهّمًا لأولويات إسرائيل»، بدأ ينتقد علنًا أساليبها في لبنان، مشيرًا إلى أن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرر تدمير مبانٍ في بيروت».

حدود الضغط الأميركي والشكوك في الكونغرس

قدرة البيت الأبيض على الضغط على إسرائيل لها حدود، فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير ليطلب من نتنياهو التوقف. هذا الأمر صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضًا في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. يطالب بعض الجمهوريين بإحاطات سرية ورقابة تشريعية، ويرى آخرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحول الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معًا.

مصير اليورانيوم: قلب الاتفاق وأكثر أجزائه غموضًا

يظل «الملف النووي» هو قلب الاتفاق، لكنه أيضًا أكثر أجزائه غموضًا. تعيد «مذكرة التفاهم» التأكيد على أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحًا نوويًا، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015»، استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقدة بمشاركة القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشد تعقيدًا خلال ستين يومًا، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمرة.

المعضلة التقنية والرهان الأميركي

المعضلة التقنية ليست نظرية، فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. يتحدث الاتفاق عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج. هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسمًا هائلًا من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالًا مباشرًا: كيف يمكن التحقق من المواد تحت الركام؟ ومن يضمن أن التفتيش لن يتحول إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجددًا دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب. أيضًا، قد يرى «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخيًا على أجزاء حساسة من البرنامج، في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه». فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشددين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

توازن دقيق بين المخاطر

حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجيًا. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقل حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكًا إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها. فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشًا أوسع للضغط دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية. وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز، فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

اقتصادياً: هرمز مقابل الأصول المجمدة

اقتصاديًا، أعاد الاتفاق مضيق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فبالإضافة إلى مرور السفن التجارية الآمن، يتضمن الاتفاق بندًا حول الأموال المجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة، فقد هاجم لسنوات اتفاق أوباما لأنه منح إيران أموالًا مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية» أم «قضية ثورية»؟ جوهر الاتفاق

جوهر الاتفاق الحقيقي لا يكمن في بنوده الأربعة عشر فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة طبيعية أم ثورة دائمة؟ صاغ نائب الرئيس جي دي فانس ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا تكمن المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

بينما يرد المشككون بأن النظام، منذ عام 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم، توجد حقيقة صلبة: الأيام الستون المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضًا قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

خاتمة

لا تبدو مذكرة التفاهم هذه نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها. فإيران خرجت مكسورة عسكريًا لكنها لم تُهزم سياسيًا، وترمب خرج منتصرًا في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقًا نهائيًا يمكن التحقق منه. بين مضيق هرمز والملف النووي ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع القادمة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية.

image about اتفاق أميركي إيراني يختبر حلفاء وخصوم المنطقة
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقالات مشابة
-